فصل: قال السمرقندي في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقد ثبت في صحيح البخاري من حيدث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المشتبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال».
وقد قدمنا هذا الحديث بسنده في سورة بني إسرائيل، وبينا هناك أن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ملعون في كتاب الله، فلو كانت الفوارق بين الذكر والأنثى يمكن تحطيمها وإزالتها لم يستوجب من أراد ذلك اللعن من الله ورسوله.
ولأجل تلك الفوارق العظيمة الكنوية القدرية بين الذكر والأثنى فرق الله جل وعلا بينهما في الطلاق، فجعله بيد الرجل دون المرأة، وفي الميراث، وفي نسبة الأولاد إليه.
وفي تعدد الزوجات دون الأزواج: صرح بأن شهادة امرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد في قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان} [البقرة: 282] الآية، فالله الذي خلقهما لا شك أنه أعلم بحقيقتهما، وقد صرح في كتابه بقيام الرجل مقام امرأتين في الشهادة.
وقد قال تعالى: {أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضيزى} [النجم: 21- 22] أي غير عادلة لعدم استواء النصيبين لفضل الذكر على الأنثى.
ولذلك: وقعت امرأة عمران في مشكلة لما وردت مريم، كما قال تعالى عنها: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى} [آل عمران: 36] الآية.
فامرأة عمران تقول: {وَلَيْسَ الذكر كالأنثى}، وهي صادقة في ذلك بلا شك.
والكفرة وأتباعهم يقولون: إن الذكر والأنثى سواء.
ولا شك عند كل عاقل في صدق هذه السالبة وكذب هذه الموجبة.
وقد أوضحنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] وجه الحكمة في جعل الطلاق بيد الرجل وتفضيل الذكر على الأنثى في الميراث وتعدد الزوجات، وكون الولد ينسب إلى الرجل، وذكرنا طرفًا من ذلك في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] وبينا أن الفوارق الطبيعية بينهما كون الذكورة شرفًا وكمالًا وقوة طبيعية خلقية، وكون الأنوثة بعكس ذلك.
وبينا أن العقالاء جميعًا مطبقون على الاعتراف بذلك، وأن من أوضح الأدلة التي بينها القرآن على ذلك اتفاق العقلاء على أن الأنثى من حين نشأتها تجلى بأنواع الزينة من حلي وحلل، وذلك لجبر النقص الجبلي الخلقي الذي هو الأنوثة كما قال الشاعر:
وما الحلي إلا زينة من نقيصة ** يتمم من حسن إذا الحسن قصرا

وقد بينا أن الله تعالى أوضح هذا بقوله: {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 18]، فأنكر على الكفار أنهم مع ادعاء الولد له تعالى جعلوا له أنقص الولدين وأضعفهما خلقة وجبلة وهو الأنثى.
ولذلك نشأت في الحلية من صغرها، لتغطية النقص الذي هو الأنوثة وجبره بالزنية، فهو في الخصام غير مبين.
لأن الأنثى لضعفها الخلقي الطبيعي لا تقدر أن تبين في الخصام إبانة الفحول الذكور، إذا اهتضمت وظلمت لضعفها الطبيعي.
وإنكار الله تعالى على الكفار انهم مع ادعائهم له الولد جعلوا له أنقص الولدين وأضعفهما كثير في القرآن كقوله تعالى: {أَصْطَفَى البنات على البنين مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [الصافات: 153- 154] وقوله: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملائكة إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقولونَ قولا عَظِيمًا}.
[الإسراء: 40] وقوله تعالى: {لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} [الزمر: 4] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
وأما الذكر فإنه لا ينشأ في الحلية، لأن كمال ذكورته وشرفها وقوتها الطبيعية التي لا يحتاج معه إلى التزين بالحلية التي تحتاج إليه الأنثى، لكماله بذكورته ونقصها بأنوثتها.
ومما لا نزاع فيه بين العقلاء أن الذكر والأنثى إذا تعاشرا المعاشرة البشرية الطبيعية التي لا بقاء للبشر دونها، فإن المرأة تتأثر بذلك تأثرًا طبيعيًا كونيًا قدريًا مانعًا لها من مزاولة الأعمال كالحمل والنفاس وما ينشأ عن ذلك من الضعف والمرض والألم.
بخلاف الرجل فإنه لا يتأثر بشيء من ذلك، ومع هذه الفوارق لا يتجرأ على القول بمساواتهما في جميع الميادين إلا مكابر في المحسوس، فلا يدعو إلى المساواة بينهما إلا من أعمى الله بصيرته.
وقد قدمنا في الموضعين اللذين أشرنا لهما من هذا الكتاب المبارك ما يكفي المنصف، فأغنى عن إعادته هنا.
قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لتعارفوا}.
لما كان قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى} يدل على استواء الناس في الأصل، لأن أباهم واحد وأمهم واحدة وكان في ذلك أكبر زاجر عن التفاخر بالأنساب وتطاول بعض الناس على بعض، بين تعالى أنه جعلهم شعوبًا وقبائل لأجل أن يتعارفوا أي يعرف بعضهم بعضًا، ويتميز بعضهم عن بعض لا لأجل أن يفتخر بعضهم على بعض ويتطاول عليه.
وذلك يدل على أن كون بعضهم أفضل من بعض وأكرم منه إنما يكون بسبب آخر غير الأنساب.
وقد بين الله ذلك هنا بقوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُم} فاتضح من هذا أن الفضل والكرم إنما هو بتقوى الله لا بغيره من الانتساب إلى القبائل، ولقد صدق من قال:
فقد رفع الإسلام سلمان فارس ** وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب

وقد ذكروا أن سلمان رضي الله عنه كان يقول:
أبي الإسلام لا أب ليس سواه ** إذا افتخروا بقيس أو تميم

وهذه الآيات القرآنية، تدل على أن دين الإسلام سماوي صحيح، لا نظر فيه إلى الألوان ولا إلى العناصر، ولا إلى الجهات، وإنما المعتبر فيه تقوى الله جل وعلا وطاعته، فأكرم الناس وأفضلهم أتقاهم لله، ولا كرم ولا فضل لغير المتقي، ولو كان رفيع النسب.
والشعوب جمع شعب، وهو الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة.
فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن يجمع الأفخاذ والفخذ يجمع الفصائل.
خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة:
وسميت الشعوب، لأن القبائل تتشعب منها. اه.
ولم يذكر من هذه الست في القرآن إلا ثلاث الشعوب، والقبائل كما في هذه الآياة، والفصيلة في المعارج في قوله: {وَفَصِيلَتِهِ التي تُؤْوِيهِ} [المعارج: 13] وقد قدمنا ما دلت عليه هذه الآيات موضحًا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].
واعلم أن العرب قد تطلق بعض هذه الست على بعض كإطلاق البطن على القبيلة في قول الشاعر:
وإن كلابا هذه عشر أبطن ** وأنت بريء من قبائلها العشر:

كما قدمناه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {ثَلاَثَةَ قرواء} [البقرة: 228].
قوله تعالى: {قالتِ الأعراب آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُم}.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الأعراب وهم أهل البادية من العرب قالوا ىمنا، وأن الله جل وعلا أمر نبيه أن يقول لهم: {لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا}، وهذا يدل على نفي الإيمان عنهم وثبوت الإسلام لهم وذلك يستلزم أن الإيمان أخص من الإسلام لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.
وقد قدمنا مرارًا أن مسمى الإيمان الشرعي الصحيح، والإسلام الشرعي الصحيح هو استسلام القلب الاعتقاد واللسان بالإقرار، والجوارح باعلم، فمؤداهما واحد كما يدل له قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المؤمنين فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المسلمين} [الذاريات: 35- 36].
وإذا كان ذلك كذلك فإنه يحتاج إلى بيان وجه الفرق بين الإيمان والإسلام في هذه الآية الكريمة، لأن الله نفى عنهم الإيمان دون الإسلام، ولذلك وجهان معروفان عند العلماء أظهرهما عندي أن الإيمان المنفى عنهم في هذه الآية هو مسماه الشرعي الصحيح، والإسلام المثبت لهم فيها هو الإسلام اللغوي الذي هو الاستسلام والانقياد بالجوارح دون القلب.
وإما ساغ إطلاق الحقيقة اللغوية هنا على الإسلام مع أن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية على الصحيح، لأن الشرع الكريم جاء باعتبار الظاهر. وأن توكل السرائر إلى الله.
فانقياد الجوارح في الظاهر بالعمل واللسان بالإقرار يكتفي به شرعًا، وإن كان القلب منطويًا على الكفر.
ولهذا ساغ إرادة الحقيقة اللغوية في قوله: {ولكن قولوا أَسْلَمْنَا}، لأن انقياد اللسان والجوارح في الظاهر إسلام لغوي مكتفى به شرعًا عن التنقيب عن القلوب.
وكل انقياد واستسلام وإذعان يسمى إسلامًا لغة. ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل العدوي مسلم الجاهلية:
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ** له الأرض تحمل صخرًا ثقالا

دحاها فلما استوت شدها ** جميعًا وأرسى عليها الجبالا

وأسلمت وجهي لمن أسلمت ** له المزن تحمل عذبًا زلالا

إذ هي سقيت إلى بلدة ** أطاعت صبت عليها سجالا

وأسلمت وجهي لمن أسلمت ** له اليح تصرف حالًا فحالا

فالمراد بالإسلام في هذه الأبيات: الاستسلام والانقياد، وإذا حمل الإسلام في قوله: {ولكن قولوا أَسْلَمْنَا} أنقذنا واستسلمنا بالألسنة والجوارح. فلا إشكال في الآية.
وعلى هذا القول فالأعراب المذكورون منافقون، لأنهم مسلمون في الظاهر، وهم كفار في الباطن.
الوجه الثاني: أن المراد بنفي الإيمان في قوله: {لَّمْ تُؤْمِنُواْ} نفي كمال الإيمان، لا نفيه من أصله.
وعليه فلا إشكال أيضًا، لأنهم مسلمون مع أن إيمانهم غير تام، وهذا لا إشكال فيه عند أهل السنة والجماعة القائلين بأن الإيمان يزيد وينقص.
وإنما استظهرنا الوجه الأول، وهو أن المراد الإسلام معناه اللغوي دون الشرعي، وأن الأعراب المذكورين كفار في الباطن وإن أسلموا في الظاهر، لأن قوله جل وعلا: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُم} يدل على ذلك دلالة كما ترى، لأن قوله: {يَدْخُل} فعل في سياق النفي وهو من صيغ العموم كما أوضحناه مرارًا، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود:
ونحو لا شربت أو إن شربا ** واتفقوا إن مصدر قد جلبا

فقوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُم}: في معنى لا دخول للإيمان في قلوبكم.
والذين قالوا بالثاني. قالوا: إن المراد بنفي دخوله نفي كماله، والأول أظهر كما ترى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {قالتِ الأعراب}: المراد به بعض الأعراب، وقد استظهرنا لهم منافقون لدلالة القرآن على ذلك، وهم من جنس الأعراب الذين قال الله فيهم: {وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر} [التوبة: 98]، وإنما قلنا إن المراد بعض الأعرابب في هذه الآية، لأن الله بين في موضع آخر أن منهم من ليس كذلك، وذلك في قوله تعالى: {وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ الله وَصَلَوَاتِ الرسول ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 99].
{قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16)}.
لما قال هؤلاء الأعراب: آمنا، وأمر الله نبيه أن يكذبهم في قوله: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا} [الحجرات: 14] وقوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] أمر نبيهم أن يقول لهم بصيغ الإنكار: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ الله بِدِينِكُمْ} [الحجرات: 17] وذلك بادعائكم أنكم مؤمنون والله لا يخفى عليه شيء من حالكم، وهو عالم بأنكم لم تؤمنوا وعالم بكل ما في السموات والأرض وعالم بكل شيء.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تقبيح تزيكةالنفس بالكذب جاء موضحًا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى} [النجم: 32] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
{إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)}.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} [هود: 5]. اهـ.

.قال السمرقندي في الآيات السابقة:

قوله تبارك وتعالى: {يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ}.
يقال: يا نداء، وها تنبيه، والَّذِينَ إشارة.
وآمَنُوا مدحه.
روي عن الضحاك أنه كان يقرأ: {لاَ تُقَدّمُواْ} بنصب التاء والدال.
وقراءة العامة {لاَ تُقَدّمُواْ} برفع التاء، وكسر الدال.
فمن قرأ بالنصب، فهو في الأصل لا تتقدموا، فحذفت إحدى التاءين لتكون أخف.
ومن قرأ بالضم فهو من قدم تقدم.
يقال: فلان تقدم بين يدي أبيه، وبين يدي الإمام.
يعني: تعجل بالأمر، وانتهى بدونه.
يعني: لا تقدموا الكلام بين يدي الله، ورسوله.
ومعناه: لا تقولوا قبل أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويقال: معناه إذا أمرتم بأمر فلا تفعلوه قبل الوقت الذي أمرتم به.
وقال الحسن: إن قومًا ذبحوا قبل أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يذبحوا آخر، فنزل {يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ} وقال مسروق: كنا عند عائشة يوم الشك فأُتي بلبن، فناولتني، فقلت: إني صائم.
فقالت عائشة رضي الله عنها: وقد نهي عن هذا.
وقرأت هذه الآية وقالت هذه الآية نزلت في الصوم وغيره.
وقال مقاتل: نزلت الآية في ثلاثة نفر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية، وأمر عليهم المنذر بن عمرو.
فخرج بنو عامر بن صعصعة عند بئر معونة، فرصدوهم على الطريق، وقتلوهم.
فرجع ثلاثة منهم، فلما دنوا إلى المدينة، خرج رجلان من بني سليم صلحًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان أهداهما، وكساهما، فقالا: نحن من بني عامر، لأن بني عامر كانوا أقرب إلى المدينة، فقتلوهما، وأخذوا من ثيابهما، وجاؤوا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل {عَظِيمًا يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ} يعني: لا تعجلوا بقتل، ولا بأمر، حتى تستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم.